منذ اللحظة الأولى لانتصارها وتبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، والثورة الإسلامية الفتية تواجه المؤامرة تلو المؤامرة وتخوض الصراع تلو الآخر، مكتنزةً في أعماقها الثبات والتحدي ومتوّجة بهالات الشموخ وأكاليل العظمة والرسوخ، الأمر الذي أدهش الأعداء وأثلج صدور الأصدقاء.

 

وهذا ديدن الرسالات الكبرى والحركات العظيمة التي تنصهر أحداثاً جساماً فيتكون التاريخ ويتخلّق الزمن وتنطلق قوافل الطموح موغلة في مستقبل البشرية الكامن خلف حجب حضارة الغد الواعد.

 

وكان آخر ما انبثق من صناديق حواة السياسة ومشعوذي الفكر والعقيدة هي تلك الفقاعات الهشة الألعوبة التي تنطلق في فضاء المهرجان فيسعد بها الصبيان ويدرك العقلاء أنّ مآلها إلى التحلل والفناء.

 

لقد بتنا نستمع ونشاهد ونقرأ في الفترة الأخيرة إثارات مفرغة تعتمد اصطلاحات ركائزية يقوم عليها عماد الحكومة الإسلامية في إيران من قبيل: الجمهورية والقيادة وولاية الفقيه وسواها من الأصول في أطروحة الحكم الإسلامي والنظام الجمهوري (الولائي). ولا غرو في ذلك، فالمستهدف هو الإسلام لا غير، حتى لو تعددت العناوين الفضفاضة التي ترفل في حلل الليبرالية المتهرئة، وكأننا بالسيد (بختيار) وقد عاد ليقول: إنني لا أفهم ما معنى جمهورية إسلامية، فيجيبه الحكماء: إن مشكلتك أنك تفهم معنى الجمهورية ولكنك لا تفهم معنى الإسلام! ثم يطلق الإمام الخميني (رض) كلمته المشهورة بثقته وطمأنينته المعهودة فيقول: جمهورية إسلامية، لا كلمة أقل ولا كلمة أكثر.!!

 

ورغم الاستفتاء الشعبي التاريخي بتغيير النظام الملكي إلى نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، والتجسد العملي لرأي الشعب متمثلاً في اليوم الثاني عشر من فروردين بُعيد انتصار الثورة الإسلامية بنحو شهرين، إلا أننا نجد بعض متسولي الكلام ومدّعي الفكر والثقافة ومن هم على مستوى (شرح اللمعة) و(المكاسب) وقد عادوا بعد عشرين عاماً ليتحدثوا عن (الولاية الحَجْرية)، خالطين بينها وبين (ولاية الفقيه)، متناسين القرآن الكريم والسنة النبوية، ومغفلين التاريخ برمته منذ (غدير خم) حتى (12 فروردين) يوم الجمهورية الإسلامية في إيران، وهم بعدُ لم يدركوا الفرق بين (الوليّ) و (الوالي)! ومتصورين أنهم بذلك يطرحون فكراً جديداً بهذه المغالطات التي تستهدف الشباب وجيل المستقبل قبل أية فئة شعبية أخرى، ومتغافلين عن إنجاز الشعب الإيراني العظيم الذي (أقام نظاماً جمهورياً إسلامياً، واضعاً بذلك أمام أنظار العالم نموذجاً فريداً لنظام سياسي كل مسؤوليه من عموم طبقات الشعب المؤمن الثائر وليس من طبقات الأشراف والأقطاعيين الفاسدين) على حد تعبير قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى الخامنئي حفظه الله.

 

هم يثيرون شبهات مغرضة خلاصتها أن الشعب محجور عليه في نظام ولاية الفقيه بينما هو رشيد في النظام الجمهوري، أو أن الحاكم في النظام الجمهوري منتخب من قبل الشعب بينما هو منصّب من قبل الله في النظام الولائي وما على الشعب والولي الفقيه معاً إلا الخضوع والإذعان للأمر الإلهي، أو أن فترة الحكم ممتدة بامتداد حياة الولي الفقيه بينما هي مؤقتة في النظام الجمهوري، أو قضية العقل الجمعي في النظام الجمهوري والعقل الفردي في النظام الولائي، وسوى ذلك من المغالطات التي تريد أن تؤدي في النهاية إلى أن الجمهورية وولاية الفقيه مقولتان متناقضتان، وبالتالي فإما جمهورية وإما ولاية فقيه، راغبين في قرارة أنفسهم أن تكون (جمهورية) لا (ولاية فقيه).!!

 

سماحة آية الله جوادي آملي العالم والمفكر الشهيرن يردّ على كل هذه الاثارات والشبهات في حديث ألقاه في الاجتماع العام لقادة الحرس الثوري، إليكم فيما يلي ترجمة لخلاصته:

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين سيما خاتمهم وأفضلهم محمداً وأهل بيته الطيبين الأنجبين.

 

إن الموضوع الذي اختير لهذه الجلسة هو هل أن الإسلامية تتفق مع الجمهورية أم لا؟ حيث قد أثيرت أخيراً شبهة مفادها أن الإسلامية لا تتفق مع الجمهورية، ولأنهم لم يستطيعوا أن يقولوا ذلك بصراحة فإنهم يقولون بأن الجمهورية لا تتفق مع ولاية الفقيه لأن الجمهورية لها خصائص ومميزات لا توجد في نظام ولاية الفقيه.

 

وكمثال على ذلك يسوقون المميزات العشر الآتية:

 

الأولى: أن الناس في الجمهورية متساوون في الأمور العامة، غير أنهم متفاوتون مع أولياء الأمر في حكومة الولاية، أي أنهم ليسوا سواءً مع الولي الفقيه. إذاً فالجمهورية لا تتفق مع ولاية الفقيه.

 

الثانية: أن الناس في الجمهورية لهم حقوق ويتمتعون بالرشد، ولكنهم لا يتمتعون بالحقوق والرشد في ظل نظام الولاية، فهم محجورون.

 

الثالثة: أن ممثل الناس هو الذي يمتلك زمام الأمور في الجمهورية، ولكنّ وليّ الناس، وليس ممثلهم، هو الذي يمتلك هذا الزمام في نظام الولاية.

 

ولقد استغلوا في ذلك من قبل كلام الإمام (ره)، فلقد قال الإمام (ره) إن الجمهورية في إيران شأنها شأن الجمهوريات الأخرى في العالم، فالجمهورية هي الجمهورية بلا فرق. أي أنهم يريدون القول بأن الإمام لا يفرق بين الجمهورية في إيران والجمهورية في البلدان الأخرى (ما عدا تلك الجمهورية المعمول بها في النظام الديكتاتوري الاشتراكي)، وعليه فإنه ينبغي أن يكون ممثل الشعب هو الذي يمتلك زمام الأمور وليس وليّ الشعب كما هو موجود في الجمهورية الإسلامية. ولكنهم لم يدركوا ما ينطوي عليه كلام الإمام (ره). فلقد كان الإمام دائماً يقول: عليكم بمساندة ولاية الفقيه حتى لا تتعرض البلاد للضرر. ولكم كان أميرالمؤمنين (ع) يشعر بالمرارة عندما كان معارضوه ينسبون أقوالهم إليه (ع) وهم يتحدثون إلى الناس.

 

الرابعة: أن الحاكم في النظام الجمهوري ينتخبه الشعب، ولكنّ الشعب في نظام الولاية مكلف بقبول الحاكم الذي هو منصوب من قِبَل الله تعالى. أي أن الله ينصّب الحاكم وما على الناس سوى الإذعان والتسليم، مع أن الناس هم الذين ينتخبون حاكمهم في النظام الجمهوري السائد في العالم.

 

الخامسة: أن فترة الحكم مؤقتة في النظام الجمهوري كما هو سائد في شتى البلدان، ولكنها دائمة في نظام ولاية الفقيه، ولا تنتهي إلا بموت الحاكم.

 

السادسة: أن الشعب له حق الإشراف والرقابة على الحاكم في النظام الجمهوري، وهو ما لا يوجد في النظام الولائي.

 

السابعة: أن الحاكم مقيد بالقانون في النظام الجمهوري، ولكنه فوق القانون في النظام الولائي.

 

الثامنة: أن الشرط الأساس في الحاكم هو الفقاهة في النظام الولائي. وهو ما لا يشترط في النظام الجمهوري. أي إذا كان فقيهاً فبها ونعمت، وإلا فإن الفقاهة ليست شرطاً في الإدارة.

 

التاسعة: أن الحكومة هي عهد وعقد بين الشعب والحاكم في الأنظمة الجمهورية في العالم، ولكنها وضعية في النظام الولائي، أي أن الله قد نصَّب الحاكم، فعلى الفقيه والناس أن يرضخوا للأمر الإلهي سواءً بسواء.

 

العاشرة: أن مبنى إدارة المجتمع هو العقل الجمعي للنواب في النظام الجمهوري، ولكن الولي هو الذي يدير المجتمع والبلاد طبقاً لما يرتئيه هو في النظام الولائي.

 

وعلى هذا فإن النظام الجمهوري لا يتفق أصلاً مع ولاية الفقيه طبقاً لهذه المميزات العشر بين الجمهورية والولاية. ولهذا فينبغي التخلي عن إحداهما، إما عن الجمهورية وإما عن الولاية.

 

إلا أن البعض جاؤوا وقالوا بوكالة الفقيه بدلاً عن ولاية الفقيه، كما أن البعض الآخر وضعوا مفهوماً آخر للجمهورية كحل وسط للتوفيق والجمع بين الجمهورية والإسلامية.

 

وأما في معرض الجواب عن ذلك، فإننا نقول بأنه ينبغي بحث الجمهورية والإسلامية كل منهما على حدة.

 

إن ولاية الفقيه يجب بحثها على حدة، فعندما طرح الإمام (ره) وأنصاره موضوع الجمهورية الإسلامية، فإن (بختيار) قال: إننا لا نفهم ما هو المقصود بالجمهورية الإسلامية، فأجابه المسؤولون وأنصار وتلاميذ الإمام (ره) قائلين: إنك تفهم ما معنى الجمهورية ولكنك لا تفهم ما معنى الإسلام، وهنا تكمن مشكلتك. وبعد ذلك، أثناء الاستفتاء وتدوين الدستور، أدرك البعض أنه لا يمكنهم حذف الإسلام، فقالوا: إننا سنبرز الجمهورية حتى يخفت بريق الإسلام تبعاً لذلك. فلتكن جمهورية ديمقراطية إسلامية. فقال الإمام: كلا، إنها جمهورية إسلامية، لا أقل ولا أكثر.

 

وهكذا فإن تلك الشبهة التي كان (بختيار) قد أثارها قبل الثورة وتلك الاقتراحات التي قدمها الليبراليون بعد الثورة عادت لتتكرر الآن في كتابات البعض. وهو ما يرفضه ابن الرسول (ص) [السيد القائد] قائلاً بأننا لسنا على استعداد لأن تستهدفوا دين الناس. إنه يدرك ما يكتبه هؤلاء في الصحف والمجلات وأنهم يريدون القول بأن الجمهورية لا تتوافق مع الإسلام، وهذا هو أسلوب تفكيرهم.

 

وإننا لو أردنا بحث هذا الموضوع بحثاً علمياً، فينبغي أن نتناوله بالتدريج، فأحياناً يطرح شخص ما عدداً كبيراً من الأسئلة بحيث يفهم المرء من طريقة سؤاله أنه ليس شخصاً ناضجاً أو متخصصاً، وذلك كما يسأل أحد العوام عن كيفية بناء إحدى الحسينيات، فتراه يسأل مرة واحدة عن باب الدخول والخروج والارتفاع والطول والعرض والحفر والسطح والسقف. ولكن قد يسأل مهندس سؤالاً فنفهم أنه معماري متخصص، فهذا المهندس وهذا المعماري يسألان أسئلة موضوعية فيدرك المرء أنهما في صميم القضية حيث يُقال: "حسن السؤال نصف العلم"?.

 

إن مشكلة هؤلاء أن الجمهورية لا تتفق مع الإسلام، بيد أنهم لا يقولون هكذا ولا يتحدثون حول ولاية الفقيه. ففي الأسئلة العلمية لا مندوحة عن التدرج في العرض والحديث.

 

فهل ترون أن الجمهورية تتفق مع الإسلام أو لا؟

 

إذا كانت لا تتفق فإنكم تكررون كلام (بختيار)، وإذا كانت تتفق فهل يتضمن الإسلام ـ الذي تقبلته الجمهورية في مؤسساتها ـ ولاية الفقيه أو لا؟ إن الولاية ليست في مقابل الجمهورية. فالإسلام تحتوي نصوصه على الولاية كما تحتوي على الوكالة. إن حق الوالي محفوظ كما أن حق الناس محفوظ كما سنوضح الآن.

 

إن لدينا عناوين أربعة: الإسلام ـ الجمهورية، الإسلام ـ الولاية. فهل أنكم تقبلون ابتداءً الإسلامية مع الجمهورية أو لا تقبلون؟ فإذا كنتم تقبلون فعلينا بالتدرج إلى المرحلة الثانية، وهي هل يحتوي الإسلام على الولاية أو لا؟

 

إذاً فإن تقولوا إن النظام الجمهوري لا يتفق مع ولاية الفقيه، قولوا إن ثمة توافقاً بين الإسلامية والجمهورية. فإذا كان هناك توافق فانظروا هل يحتوي الإسلام على الولاية أو لا؟

 

فإذا نظرنا إلى الافتراض الأول وجدنا أن النظام الإسلامي يشتمل على كل المميزات العشر المذكورة حتى مستوى رئاسة الجمهورية. لقد قلتم إن للشعب حق الانتخاب، فوافق الدستور، وقبل الإمام (ره) وسارت كل الأمور على هذا الأساس خلال السنوات العشرين الماضية. وقلتم إن رئيس الجمهورية ممثل الشعب سواء، وهذا صحيح. فرئيس الجمهورية ممثل الشعب، وقلتم إن رئاسة الجمهورية مؤقتة في كل العالم، وأنها لا يمكن أن تتجاوز فترتين، وأنها تحت إشراف الشعب، وكل هذا صحيح. فكل تلك المميزات العشر صحيحة حتى مستوى رئاسة الجمهورية. ولكن هل يوجد في الإسلام منصب أعلى من رئاسة الجمهورية أو لا؟ وهل يوجد في الإسلام موضوع القيادة الذي يفوق رئاسة الجمهورية أو لا؟

 

إنكم إذا أردتم أن تتناولوا كافة النظام بالبحث، فعليكم بالآتي:

 

1 ـ النظر في الدستور.

 

2 ـ تقويم مسلك الإمام (ره) والشعب.

 

3 ـ تقويم كيفية استمرار القائد على نهج الإمام (ره) وتنكّب الشعب لنفس الطريق.

 

وانظروا حينئذ هل تلك المميزات العشر موجودة أو لا؟

 

لقد قلتم إن الجمهورية تقتضي أن يكون جميع أفراد الشعب متساوين في الأمور العامة، وها هم متساوون. إن الدستور إسلامي، ولقد كان الإمام (ره) يدلي برأيه في كل الانتخابات ولم يكن له سوى صوت واحد.

 

إن علينا أن نعلم أنه توجد لدينا فقاهة ويوجد عندنا فقيه. ولقد كان الفقيه، الذي هو روح الله الموسوي، لا يختلف عن باقي أفراد الشعب من هذه الناحية، حيث كان يشارك في الانتخابات ولا يدلي بأكثر من صوت واحد. فروح الله الموسوي كشخص كان كباقي أفراد الشعب من هذه الناحية، وأما من ناحية أنه كان مجتهداً جامعاً للشرائط وفقيهاً ومديراً ومدبراً وذا شخصية حقوقية، فإن هذا يعود للصبغة الإسلامية وليس لروح الله الموسوي. وهذا هو دستورنا ينص في ذيل الأصل السابع بعد المئة على أن القائد وجميع أفراد الشعب أمام القانون سواء. فلو كان على الآخرين أن يشاركوا في الانتخابات، ولهم حق التصويت، وليس لهم سوى الإدلاء بصوت واحد، فكذلك هو القائد. وأما شخصية القائد الحقوقية، أي فقاهته، فيعني أن العدالة تنظر إليه بنظرة أخرى. وذلك مثل مرجع التقليد، حيث إن له شخصية حقيقية وشخصية حقوقية.

 

فشخصيته الحقيقة لا تختلف عن الآخرين كما في الانتخابات وعدم الإدلاء إلا بصوت واحد فقط.

 

وأما شخصيته الحقوقية التي تتعلق بفقاهته فهي شيء آخر حيث إن الملايين تطيعه في كل أمر أو نهي يصدر عنه، كما أن عليه هو الآخر أن يعمل بهذه الأوامر والنواهي. فشخصية الفقيه الحقيقية لا تختلف عن باقي الأفراد في شيء، وأما شخصيته الحقوقية التي تتعلق بالفقاهة والعدالة والإدارة والتدبير وتصريف أمور البلاد فهي التي لها الولاية وليس للشخص نفسه.

 

إذا .. فشبهتهم الأولى كانت أن جميع أفراد الشعب متساوون في كافة الأمور في النظام الجمهوري السائد في العالم ولكنهم متفاوتون مع أولياء الأمر في النظام الولائي. فهل تريدون الموازنة بين الناس والفقاهة أو بينهم وبين الفقيه؟ فإذا كنتم تريدون الموازنة بينهم وبين الفقيه، فإن الدستور ينص على أن الجميع سواء، كما في الانتخابات وحق الادلاء بالرأي، وهكذا كان الإمام (ره)، وهكذا القائد. وأما إذا أردتم موازنة الناس بالفقاهة فإنكم في الحقيقة توازنون بينهم وبين عقيدة وليس بينهم وبين شخص.

 

وقلتم بأن الناس محجورون في المجتمع الولائي ولكنهم أولو حق ورشيدون في النظام الجمهوري، وهذه مغالطة. فلقد جاء مراراً وتكراراً في الكتابات والخطابات والأحاديث أن الولاية على قمسين في الكتب الفقهية والكلامية: الأولى: الولاية على الميت ومن هو في منزلته، وهي الولاية الحَجْرية.

 

والثانية: الولاية بمعنى المسؤولية، وهي التي وردت في قوله تعالى {إنما وليكم الله}. فهناك إذاً ولايتان سواء كان ذلك في القرآن أو في الفقه؛ الولاية على المحجورين كأن يكون الإنسان وليّاً على الميت أو من هو في منزلة الميت. وذلك كما في القصاص والحدود والديات، حيث يقال إن لوليّ الدم حق القصاص، أو من أجل تقليل الديّة، كما أنه في كتاب الطهارة والصلاة يقولون إذا مات شخص فإن على وليّه أن يصلي عليه، أو أن يُصلّى عليه بإذن وليه. كما أنه يقال في كتاب الحج أنه لو كان الشخص صغيراً أو سفيهاً أو مفلساً أو مجنوناً وأمثال ذلك فإنّ على وليّه أن يؤدي عنه.

 

إن الذين لم يتجاوزوا (شرح اللمعة) أو (المكاسب) في الفقه لا يعرفون سوى هذا عن ولاية الفقيه. فكل ما يقال عن الولاية يدور حول الولاية على المحجورين! غير أن القرآن الكريم يبين لنا نوعين من الولاية:

 

الولاية على المحجورين كما في قوله تعالى {فليُملل وليّه بالعدل}، والولاية على الحكماء والبالغين والعقلاء والتي هي بمعنى (الوالي) كما جاء في قوله تعالى في سورة المائدة {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة}.

 

لقد قام الرسول (ص) في (غدير خم) بعد أن قرأ قوله تعالى {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} وخاطب المسلمين قائلاً: "ألستُ أولى بكم من أنفسكم"؟ قالوا بلى. فرفع يد أمير المؤمنين (ع) وقال: "من كنتُ مولاه فهذا على مولاه"?. أي أنه ولاه على المسلمين وعلى أمثال (أبي ذر) و(المقداد) وكبار الصحابة في صدر الإسلام. فهذه ولاية على حكماء القوم وعقلاء المجتمع. إذاً .. فالولاية في ولاية الفقيه لا تعني الولاية الحَجْرية، بل الولاية الحِجرية (بكسر الحاء) حيث إن العقل يُسمى حجراً كما في قوله تعالى في سورة الفجر {هل في ذلك قسم لذي حِجْر}. وإنما سُمّي العقل حِجْراً لأنه يمثل فاصلاً وحدّاً كما أنه يحمي الإنسان، ولهذا يُسمى العاقل بذي حجر. ألا ترون في الُقرَى عندما يريد أحد الفلاحين أن يتملّك قطعة من الأرض فإنه يحجّرها، أي يحيطها بحدّ من الأحجار ليفصل بينها وبين أملاك الآخرين وحتى لا يتعداها الغرباء ولا يتجاوزها مالكها! إذاً.. فالمقصود بولاية الفقيه هي الولاية على عقلاء وحكماء المجتمع لا على المحجورين.

 

إنهم يريدون أن يوحوا للجيل الجديد من الشباب بأنهم محجورون! فعندما تثار هذه الشبهة في عقل طالب الحوزة الذي يدرس (شرح اللمعة) أو في عقل الطالب الجامعي فإنه يقول حينئذ إننا لسنا محجورين لكي ينصبوا وليّاً علينا! جاهلاً بأنها مغالطة!

 

إن التشابه اللفظي هو مصدر هذه المغالطة، وإلاّ فإن ولاية الفقيه غير الولاية على المحجورين.

 

لقد قالوا إن الحاكم هو ممثل الشعب في النظام الجمهوري بينما هو وليّ الشعب في النظام الولائي، ففي جمهوريات العالم رئيس الجمهورية هو ممثل الشعب، وإننا لا نريد أحداً غير رئيس الجمهورية! وهذا يعني الجمهورية الديمقراطية. إن لدينا رئيساً للجمهورية يعمل طبق القوانين الإسلامية، فما الداعي للإمام أو القائد حينئذٍ؟!

 

كما أنهم قالوا إن الحاكم ينتخبه الشعب في النظام الجمهوري. إن لدينا جمهورية لأن عندنا رئيس جمهورية. والأصل في ذلك أن الجمهور أي عامة أفراد الشعب ارتضوا منهجاً لهم.

 

إننا لو أعطينا خطّاً عامّاً فإن باقي الشبهات سيجاب عنها، وهذا الخط العام هو أن المقصود من الجمهور ليس مجموعة مشتتة ومتفرقة من الناس، بل مجموعة متآلفة ومنسجمة ومترابطة ومتحدة ومتكاتفة من الناس، فعندما يقال جمهورية فإن ذلك لا يعني مجموعة متفرقة وإنما يعني مجموعة ذات بناء داخلي منظم ولها هدف وعامل يدفعها إلى معرفة هذا البناء الداخلي ويأخذ بيدها للوصول إلى الهدف (أي القائد). فلو صارت هذه المجموعة التي برزت إلى الوجود جمهورية، فليس المراد بها المجموعة المتفرقة والمشتتة بل تلك الجمهورية المتشكلة. غاية الأمر هو أن الدين عامل تشكيلها. فالذي ربط بين هؤلاء هو دينهم، والذي ربط بينهم هو هدفهم، والذي ربط بينهم هو قائدهم.

 

وأما ما يقال عن أن الحاكم مسؤول في النظام الجمهوري وأنه غير مسؤول في النظام الولائي فهو أيضاً مغالطة. ففي نظام ولاية الفقيه توجد مسؤوليتان لا توجدان في النظام الجمهوري:

 

الأولى: هي أن الشعب يشرف على تطبيق رئيس الجمهورية للقوانين في النظام الجمهوري المعروف في العالم، وأما في ولاية فقيه الجمهورية الإسلامية فإن نواب الشعب والشعب معاً يشرفون على تطبيق الولي الفقيه للقوانين.

 

الثانية: هي أن الجميع في النظام الولائي يشرفون على كيفية ارتباط الولي الفقيه بربه ومدى تمسكه بأداء واجباته الإلهية، والتي تُعتبر شأناً شخصياً، فأين يوجد مثل هذه الظاهرة في العالم؟! انظروا إلى فضيحة (كلينتون) في البيت الأبيض، والتي لا تتجاوز كونها قضية أخلاقية فيما لو ثبتت، أما لو ارتكب حاكم إسلامي واحداً من الألف من هذه الخطيئة ـ لا سمح الله ـ فإن الأمر لن يؤدي إلا إلى سقوطه لا محالة. إن الشعب متمثلاً في مجلس الخبراء يشرف من عالٍ على مسلك القائد. هل تصرّف طبقاً للقانون أم لا؟ وهل سقطت عنه عدالته في الأمور الشخصية التي لم يتوقعها القانون ـ لا سمح الله ـ أو لا؟ إنكم تجدون في عالم اليوم وفي بلد مثل روسيا أن رئيس الجمهورية بمقدوره حل مجلس الشيوخ (الدوما) ومجلس الشورى لو أراد. وهذا ما ليس بمقدور الولي الفقيه. فهل هذه [ولاية الفقيه] ديكتاتورية واستبداد فاحش وتلك [روسيا] جمهورية ديمقراطية؟

 

فمن الخطأ إذاً القول بأن الحاكم مسؤول في النظام الجمهوري ولكنه ليس مسؤولاً في النظام الولائي. إن الخبراء الذين هم نواب الشعب يشرفون بدقة على عمل الولي الفقيه في نطاق القانون، أي أنهم حريصون تماماً على ألاّ يتجاوز القانون إلى ما سواه، فهل يوجد مثل هذا الاشراف وهذه الرقابة الفقهية والدينية في أي مكان آخر من العالم؟ إن سلطة (يلتسين) التي تجعله قادراً على حل مجلس الشورى لا يوجد مثلها في نظام ولاية الفقيه.

 

وخلاصة القول أن الجمهورية والإسلامية هما اللذان نستمدّ مشروعيتهما من الإسلام، فنحن نستمد السلطة من الجمهورية، والجمهور يعني مجموعة منسجمة ومتشكلة وذات هدف. فلو كانت هناك سلطة وليست هناك مشروعية فهذا يعني النظام الاشتراكي وما شاكل وشابه، ولو كانت هناك مشروعية ولكن ليست هناك سلطة فسيكون هناك {قتل النبيين بغير حق}. لقد استشهد الكثير من الأنبياء لأن رسالتهم كانت ذات مشروعية ولكنهم لم يكونوا يملكون السلطة. وكذلك فعلوا مع أميرالمؤمنين (ع) ومع سيد الشهداء (ع) حيث كانت هناك مشروعية بلا سلطة، وأما المشروعية مع السلطة فهو نظام الإمام الراحل (ره) وهو نظام قائد الثورة، حيث تأتي الجمهورية بالسلطة ويأتي الإسلام بالمشروعية. فاحرصوا على ألا يجعلونا في موقف مضاد لله تعالى وللإسلام.

 

إن جمهوريتنا حيّة بإسلاميتنا، أي أن هذه السلطة تستمدّ مشروعيتها من الإسلام، وبلادنا تستمدّ مشروعيتها من ولاية الفقيه، ولقد قلنا ذلك مرات عديدة، وهاأنذا أكرر ذلك اليوم أمامكم يا قادة الحرس الأجلاء.

 

لقد كنا ندرس في طهران عام 1332هـ ش، أي قبل خمسة وأربعين عاماً، وكانت تلك الفترة تمثل أوج مناداة الشيوعيين بتأميم النفط. وفي صباح يوم 28 مرداد عام 1332هـ ش احتشدت مجموعة من سكان طهران في (ساحة قيام) الحالية و(ساحة الشاه) سابقاً في اعتراض على بائع (الكمثري) لأنه كان ينادي على فاكهته قائلاً: يا ملك الفاكهة! ولكن نفس سكان هذه المدينة صاحوا بعد ظهر ذلك اليوم قائلين: الخلود للملك! أي أن المعارضة لم تكن إلا لنصف يوم فقط!! ولكن بعد قيام الثورة بقيادة الإمام وفي يوم 17 شهريور خرج الآلاف من الشباب والرجال والنساء في (ساحة جاله) سابقاً المسماة اليوم بـ (ساحة الشهداء) واستشهد الكثيرون منهم في ذلك اليوم عشية انتصار الثورة وهم يصيحون: جمهورية إسلامية! الإمام قائدنا!

 

فماذا حدث؟ لقد كانوا يعترضون على بائع الفاكهة في أول النهار لأنه يقول: يا ملك الفاكهة! ثم يصيحون في آخر النهار: الخلود للملك! ولكن الآلاف كانوا يستشهدون عند قيام الثورة وهم يصيحون: القائد، الإمام، الجمهورية! لقد كان نفس هذا الشعار يتردد قبل الشهادة وبعد الشهادة، فما سر هذا التطور؟ إن السبب في ذلك هو أن جمهوريتنا تختلف عن باقي الجمهوريات في العالم. ومن الممكن أن يقول أحدهم إنه تشابه لفظي. إن هذا ليس له حقيقة شرعية لكي توضع. ولكن جمهوريتنا تختلف عن جمهوريات العالم طبقاً لبيان الإمام (ره)، والسبب في ذلك أن جمهوريتنا تتعلق بالإسلام الأصيل، إن قابل الجمهورية هو الإسلام الأصيل والشعب الأصيل، لأنه لا يمكن أن يكون هذا الشعب طاغوتياً الآن ثم يقبل الإسلام الأصيل. وكذلك لا يمكن أن يقبل شعب غير أصيل إسلاماً أصيلاً، فالشعب الملوّث لا يقبل سوى الإسلام الأمريكي، بينما الشعب الأصيل لا يقبل سوى الإسلام الأصيل، وهذا هو معنى قول الإمام (ره) إن شعبنا قد تغيّر. إنه شعب الولاية. وهذا هو معنى انفجار النور أيضاً. ومادام انفجار الشعب انفجاراً نورانياً فإن هذه الجمهورية هي أيضاً نورانية. فعندما تصبح الجمهورية نورانية فإنها لا تقبل إلا الإسلام الأصيل. فعلينا أن نعلم إذاً أن نظامنا الجمهوري يقبل البناء الإسلامي. إن الولاية تتألق في الإسلام، وولاية الفقيه هذه تعود إلى ولاية الفقاهة والعدالة ولا تعني حكم الفرد.

 

وأما الافتراض الثاني فكان أن الحاكم في النظام الجمهوري هو العقل الجمعي للنواب، ولكن الحاكم في نظام ولاية الفقيه هو رأي الفرد. غير أن الموضوع ليس هكذا، فالحاكم ليس هو رأي الفرد، بل هو الفقاهة والعدالة. وفضلاً عن وجود أخصائيين في مجمع تشخيص المصلحة، فإن قسماً كبيراً من شؤون الشعب يعود إلى الوكالة. فمجلس الخبراء ورئاسة الجمهورية وممثلو مجلس الشورى الإسلامي ومجالس البلديات كلها مؤسسات تتمثل فيها الوكالة. وهذه هي ولاية الفقيه.

 

ولهذا فإن هذه الجمهورية الأصيلة تقبل الإسلام الأصيل. إن الإسلام يحتوي على الولاية كما يحتوي على الوكالة، وهذا أيضاً هو ما فعله الله سبحانه وتعالى. فقد نهى الله تعالى عن التدخل فيما يخصه، بينما أمر بالشورى فيما يخص الناس. إن الله تعالى في سورة الشورى المباركة لم يقل: أمر الله شورى بينهم? بل قال: {أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}. كما قال في موضع آخر {إن الحكم إلا لله} ناظراً إلى ما يتعلق ويختص به سبحانه. وهذا غير ما يختص بالناس حيث قال: {أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ولم يقل: أمر الله شورى بينهم? ولا أمر الإسلام شورى بينهم? ولا: أمر الدين شورى بينهم?. إن أمر الدين توضحه الفقاهة، بينما أمور الناس يتكفل بتوضيحها الناس أنفسهم. ولهذا فعليكم بالحذر أيّها الأعزاء لقد قلنا: نعم للجمهورية الإسلامية، بينما قلنا: لا شرقية ولا غربية. إنهم يضعوننا الآن في مواجهة هذه العقيدة، أي ما دمنا قد قلنا: لا شرقية ولا غربية، فلنقل لا إسلامية أيضاً! فنلقل: حرية، استقلال وكفى. وهذا هو معنى الجمهورية الديمقراطية.