بسم الله الرحمن الرحيم‏

 

مقام المعلم والجامعي ورسالتهما

 

أشكر السادة لحضورهم والسؤال عن أحوالي والتعزية في هذا الحادث الجلل[1] وأسأل الله تعالى السلامة والسعادة لجميع السادة.

 

إن الجامعيين هم ذخائر هذه الأمة، فمقدرات بلدنا في المستقبل ستكون بيد الجامعيين اليوم مهما كان تخصصهم، إن المجالات المختلفة للبلد ستكون بيد الجامعيين الذين يقع على عاتقهم إدارة مستقبل البلد. كما إن المعلمين هم المربون للأشخاص الذين سيمسكون بمقدرات البلد. أي إن مفتاح سعادة البلد بيد المعلم وبيد الجامعي. فأولا المعلم وهو الذي يجب عليه تربية الشباب، ثم الشباب وهم الذين يجب عليهم إدارة البلد. ولهذا فإن أي بلد في العالم، أية دولة في العالم فإن وجودها مرتبط بالجامعي والمعلم. إن مفتاح السعادة بيد المعلم وبمقدار ما يكون المعلم عظيما تكون مسؤوليته عظيمة أيضاً، وبمقدار ما يكون العالم عظيماً تكون مسؤوليته كبيرة ولا فرق في هذا بين أن يكون عالماً في الجامعات أو الحوزات.

 

كلما زادت عظمة الإنسان فإن مسؤوليته تزيد بالمقدار نفسه، وحيث إن عظمة المعلم كبيرة فمسؤوليته كبيرة أيضاً. عظمته كبيرة لأنه يربي الشباب، فالطاقة الشبابية تتم تربيتها على يد المعلم. المسؤولية كبيرة لأنه إذا تمت تربية الشباب والطاقة الشبابية على يد المعلمين تربية صالحة، فإن مستقبل البلد سيكون جيداً وتعمُّه السعادة.

 

وأما إذا كان هناك انحراف عند المعلمين وكانت التربية منحرفة، فإن الفساد سينتشر في البلد. ولذلك فأنتم أيها الشباب وكما أن شأنكم كبير لأنكم طلبة، تدرسون، وبعد ذلك ستكونون إن شاء الله معلمين، فكما أن شأنكم كبير وعملكم عمل شريف وعظيم، فإن مسؤوليتكم مسؤولية كبيرة أيضاً.

 

مقدرات البلد بيد المتعلمين‏

 

سعادة الشعب تنطلق من الجامعات والمدارس، فالجامعات والمدارس هي التي تدير جميع مقدرات البلد. إن سعادة أية أمة بيد علمائها. فإذا كان علماء الأمة غير منحرفين وكانوا صالحين وسائرين على الصراط المستقيم، فإن الأمة تسير على الصراط المستقيم، وتكون سعيدة. وأما إذا ظهرت الانحرافات- لا سمح الله- في الجامعات، وفي الكليات وفي المدارس الدينية، وفي المدارس العصرية، حينئذ يبدأ انحراف الأمة.

 

إن الشعوب تتطلع إلى العلماء، فإذا فسد العالِم فسد العالَم لأن العالَم يتطلع إلى العالِم، إن أنظار عموم الناس متجهة نحو مفكري البلد، نحو علماء البلد، فإذا كانوا- لا سمح الله- فاسدين سيفسد البلد بأسره، وإذا كانوا صالحين يكون البلد كله صالح. ولذلك فإنكم أنتم الجامعيين الذين تتلطعون لأن تصبحوا علماء إن شاء الله وسوف تصبحون كذلك إن شاء الله، فمن جهة إن شأنكم كبير، ولكن من جهة أخرى تتحملون مسؤولية. التفتوا إلى أن هذه المسوؤلية، هذا العب‏ء الذي يقع على عاتقكم، إنكم شئتم أم أبيتم تتحملون هذه المسؤولية، وإن الله تبارك وتعالى يدعوكم إلى تربية المجتمع، وهذه خدمة عظيمة إذا قمتم بها بشكل جيد لدرجة لا نستطيع بيانها. وإذا أسأتم أداءها- لا سمح الله- فإن فسادها كبير لدرجة يؤدي إلى فساد العالَم. إن العالِم إذا كان فاسداً فإن أمره ليس كالإنسان العادي بحيث إذا فسد يكون تبعة ذلك عليه وحده، بل إن مرضه يسري، فساد العالِم يسري إلى جميع الطبقات. أنا بنفسي كنت أذهب في السابق إلى بعض المدن وكنت أرى أهلها صالحين، جيدين، وعندما تأملت في هذا وكيف أن الناس هناك صالحون؟ تبين أن عالم تلك المدينة رجل صالح، وهؤلاء قد اقتدوا بذلك العالم الصالح.

 

دور القادة في صلاح وفساد المجتمع‏

 

إن العلماء في أي مكان كانوا وحيث إن الناس تتطلع إليهم، من الطبيعي أن يتركوا تأثيرهم على الناس شاؤوا ذلك أم أبوا. فإذا كانوا صالحين فإن الناس سيميلون نحو الصلاح، وإن كانوا فاسدين فإن الناس سيميلون نحو الفساد.

 

إنكم من طبقة علماء الأمة، وتقع عليكم تلك المسؤولية. إنكم إذا دخلتم إلى دائرة ما فإنكم تلاحظون أن رئيس الدائرة محط أنظار الجميع، فإذا كان صالحاً وأميناً فإن ذلك سيؤثر فيهم تلقائياً وذلك بسبب توجههم وتطلعهم إليه. وإذا ما أرادوا القيام بعمل خاطئ فإنهم يقومون به بشكل خفي ودون أن يلتفت إليه أحد، ومع مرور الزمن فإنهم سوف يصبحون صالحين. وأما إذا كان رئيس الدائرة لا سمح الله رجلا سارقا، فإن هذه السرقة سوف تنتشر بشكل تلقائي وعفوي بين الجميع. إذا كان رئيس بلد يتطلع إليه جميع الناس، سارقا فإن هذا سيسري إلى الناس.

 

إن الأخلاق الفاسدة للنظام البهلوي أفسدت طبقات كثيرة من بلادنا. فأولئك الذين كانت لهم علاقات معهم وكانوا يرون أعمالهم عن قرب قد فسدوا جميعهم. ليس أنهم كانوا من قبل فاسدين، لا، إن الكثير منهم لعلهم كانوا في البداية أناسا سالمين، ولكنهم عندما انخرطوا في مؤسسة الظلم، مؤسسه النهب، وجدوا أن هذا الذي يتطلع إليه الجميع ويعظمه الجميع هو رئيس عصابة لصوص، وبشكل عفوي فإن هذه السرقة وهذه الخيانة تسري إلى الأشخاص المحيطين والقريبين.

 

ولهذا فإن إحدى الخيانات الكبيرة التي فعلوها معنا، الخيانة التي لعلها تكون على رأس جميع الخيانات، هي أنهم قد دمّروا طاقاتنا الإنسانية.

 

لقد حكموا هذا البلد أكثر من خمسين عاماً، فأي شي‏ء فعلوه خلال هذه الفترة؟ لقد أهلكوا رجالنا، إلا قليلًا! رؤساء المجالس ونواب رؤساء المجالس جميعهم أصبحوا فاسدين وذلك بسبب‏ الفساد المستشري في الطبقة الحاكمة، إنه يسري، إن الذي يكون محط أنظار عموم الناس، كلما كان التوجه والالتفات إليه أكثر كلما سرى فساده أكثر، كما أن تأثير صلاحه يكون أكثر أيضاً. فالحاكم العادل يجعل العدالة تعم البلد بأسره.

 

سيرة الإمام علي في حكومته‏

 

إذا فرضتم أن شخصا كأمير المؤمنين (سلام الله عليه) يحكم بلداً ما، فإن أهل ذلك البلد عندما يرون سيرته، وحياته، كيف يعيش وكيف هو سلوكه مع المقربين منه، كيف كان أولاده، كيف كانت معيشتهم، أصحابه كيف هم، قومه وأقرباؤه كيف كانوا، خواصه كيف كانوا، عندما ينظر عموم الناس فيرون أن طعام ولباس رئيس دولتهم أدنى من طعامهم ولباسهم، حتى أنه عندما كان يحضر لصلاة الجمعة ولأنه كان لديه قميص واحد فإنه كان يغسله ويلبسه رطباً، وعندما كان يصعد المنبر ليخطب كان يحرك قميصه أثناء خطبته حتى يجف، فعنده قميص واحد، وعندما اشترى قميصين قدم الأفضل لخادمه قنبر حسب ما يذكر التاريخ وأخذ لنفسه الأدنى، وعندما وجد أن كمه طويل قصَّره! عندما يرى الناس مثل هذا الإنسان، وهو حاكم على بلاد شاسعة، فإيران كانت جزءا من دولته، ومصر كانت جزءاً من دولته، والحجاز كانت جزءاً من دولته، العراق كانت جزءاً من دولته، اليمن وغيرها أيضاً كانت تابعة لدولته، عندما يرى الناس معيشته يقولون: انظروا إلى حياته البسيطة هذه!. إن مثل هذا الإنسان الذي يرأس دولة بتلك العظمة، عندما عين قاضيا وبحسب ما يذكر التاريخ، حصل نزاع بينه وبين شخص يهودي، وعندما استدعاه القاضي فإنه لم يقل أنا حاكم، حاكم على مثل هذه البلاد الكبيرة وأنت قاضٍ عندي، معيَّنٌ من قبلي، لم يقل ذلك وإنما ذهب وجلس في مجلس القاضي وعندما خاطبه القاضي قائلًا يا أبا الحسن، قال له لا تخاطبني بهذا ولا تجعل فرقاً بيني وبين اليهودي، فأنت قاض ولا يصح أن تميز أحدنا عن الآخر، وعندما حكم القاضي لصالح اليهودي فإنه سلَّم للحكم.

 

عندما يكون على رأس الدولة مثل هذا الإنسان، سوف تصلح تلك الدولة .. إن الإسلام يريد مثل هذا. ونحن الذين ننادي بالحكومة والجمهورية الإسلامية لاشك بأننا لن نستطيع العثور على مثل هذا الإنسان، وهو نفسه قد قال: لا قدرة لكم على هذا ولكن أعينوني بالتقوى، أعينوني بالسداد والعمل الصالح.

 

التمرد على الظلم والتباين الطبقي‏

 

عندما يرى الإنسان أن وضع رئيس الدولة هكذا، فإن الفقراء تسكن قلوبهم، إن الذي يؤدي إلى شيوع التمرد بين الناس هو رؤيتهم ذلك الرجل يعيش تلك المعيشة حيث يشتري مثلا قصراً، وحسب ما أخبروني عندما كنت في باريس أن إحدى أخوات الشاه اشترت قصراً (فيلا) في باريس بسعر خيالي لا أتذكره، ولكني بقيت أذكر أمراً كان عجيبا وهو أنه قد تم صرف خمسة ملايين دولار على تزيين القصر بالزهور.

 

إن الشعب عندما يرى حكامه هكذا فإنه يبدأ بالتمرد والطغيان، وأما إذا كانت معيشة أفراد الحكومة قريبة من الناس، لا أقول أن تكون مثل معيشة أمير المؤمنين سلام الله عليه، فلا قدرة لأحد على ذلك، لقد كان موجوداً لا مثيل له، كان موجوداً استثنائياً، ولكن الحكومة وأجهزة الحكومة وأعضاءها فإنه إذا كانت حياتهم الشخصية بشكل يراها الناس قريبة منهم، حتى ولو كانت متفاوتة عنهم بشكل ضئيل، فإن الناس يقنعون، الناس يرضون، وينتهي التمرد.

 

فساد المستكبرين وأصحاب الثروة

 

إن كل هذا الفساد الذي يُشاهد إنما هو ناشئ من الطبقة العليا وقد سرى بين الناس. إنه أمر قهري، عندما تكون الطبقة العليا، أولئك الذين هم في الأعلى يشترون لكلبهم سيارة قيمتها مثلا أربعمائة ألف تومان، فإن هذه الطبقة الضعيفة تفقد صبرها، ولهذا فإن أفراد الطبقة العليا إذا كانوا يريدون إرضاء الشعب عليهم أن يتواضعوا قليلًا، والشعب أيضاً يرضى بأن يبقى هؤلاء أعلى منه قليلًا، لكنه لا يرضى أن يكون التباين بهذا الشكل.

 

وأنتم أيها السادة سوف تحصلون في المستقبل- إن شاء الله- على مناصب عالية، فالتفتوا إلى هذه المسائل. إذا عملتم في دائرة، إذا كان أحدكم رئيس دائرة، إذا كان أحدكم مديراً عاماً، فالتفتوا إلى أنكم مسؤولون، ولستم مسؤولين عن أفعالكم فقط، بل مسؤولون عن أفعال غيركم أيضاً.

 

إذا بقي أحدكم هكذا وكان فاسداً فإن تبعة فساده تقع عليه وحده. وأما إذا كانت مسؤولية المجتمع تقع على عاتقكم فإنكم كلما ارتقيتم أكثر كانت مسؤوليتكم اكبر.

 

مقاومة الأفراد المهذبين للترغيب والترهيب‏

 

يجب ومنذ الآن حيث إن أنفسكم قريبة من الملكوت، نفوس لم تدخل بعد كثيراً في هذه العلائق والقيود الدنيوية، وتلوثها الآن أقل، يجب أن تفكروا بإصلاح أنفسكم وتزكيتها من أجل مستقبل البلد. إنكم إذا زكيتم أنفسكم، طبقة الجامعيين، طبقة العلماء، إنكم إذا قمتم بتزكية أنفسكم فإن المجتمع سيكون مهذباً.

 

إن جميع هذه المفاسد سببها فساد هذه الطبقات حيث ترضخ لسلطة الآخرين تحت تأثير وعودهم أو خوف تهديداتهم، إنهم لو كانوا زكّوا أنفسهم لما أثرت فيهم وعود الآخرين ولا تهديداتهم.

 

أسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعزة والعظمة لجميع المسلمين، والسعادة لكم أيها الشباب النجباء أنتم الذين ستقع عليكم غدا- إن شاء الله- مسؤولية بلد بكامله.

 

ـــــــــــــــــ

 

[1] شهادة آية الله مرتضى مطهري.

 

المكان: قم‏

 

المصدر: صحيفة الإمام، ج‏7، ص: 196

 

الموضوع: دور العلماء في صلاح المجتمع وفساده‏

 

الحاضرون: أساتذة وطلاب مراكز تربية المعلمين في (كيلان)

 

التاريخ: 23 أرديبهشت 1358 ﻫ.ش/ 16 جمادى الثانية 1399 ﻫ.ق‏