الشيخ د. أكرم بركات

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47) و﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40).

 

إنّ الثقافة الإلهيّة القرآنيّة تشكّل عنصراً أساسيّاً في البنية الإيمانيّة للمجاهدين في المقاومة الإسلاميّة، والتي من خلالها قاموا وثبتوا بأمل النصر تصديقاً لوعد الله تعالى، مع علمهم أنّ موازين القوى بينهم وبين العدوّ الإسرائيليّ ليست متساوية.

 

* عاشوراء ثقافة المقاومة

إنّ استحضار التجربة الجهاديّة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، خصوصاً في ظل النصر الذي حققته الفئة القليلة من أتباعه على الفئة الكثيرة من أعدائه بإذن الله تعالى، وكذا استحضار سيرة أهل بيته الأطهار عليهم السلام، كان له تأثيرٌ كبيرٌ من ناحية البناء الروحيّ والمعنويّ للمجتمع المقاوم. وثمّة ميزة خاصة لحادثة استشهاد الإمام الحسين بن عليّ عليهما السلام في كربلاء، والتي تُشكّل مصدراً أساسيّاً ملهماً في البنية الفكريّة والروحيّة لمجتمع المقاومة، لأنّ فيها قيماً سامية على رأسها التضحية في سبيل الله بالغالي والنفيس من أجل حفظ دينه تعالى: «إن كان دين محمّد لم يستقم إلا بقتلي، فيا سيوف خذيني»(1).

 

وفي التربية العاشورائيّة التي نحييها كلّ عام، تقدّم ثقافة المقاومة هذه القضيّة، ليس باعتبارها حدثاً تاريخيّاً فقط نبكي على أطلاله، بل باعتبارها مدرسة تنهلُ من تلك النهضة عناوين تتجدّد في كلّ مجتمع يُمارس فيه الظلم وسياسة التجهيل والتفتيت للأمّة. فالمجتمع المقاوم يرى «يزيد» يتجسّد في هذا العصر بالطواغيت الذين يحاربون الإسلام، كالإدارة الأميركيّة ورؤوس الصهاينة، ويرى الإمام الحسين عليه السلام في القائد المنطلق من قاعدة الإسلام المحمّديّ الأصيل المناهض لسياسات أعداء الإسلام.

 

إذاً، من عاشوراء يبني الإنسان نهجه العقليّ ووجدانه، فيتحرّك فيه الوعي مرافقاً للدمعة التي تُعبّئه لحماية المبدأ والدين والكرامة، حتّى لو أدّى الأمر إلى الاستشهاد وتحمّل مرارة دموع الأيتام والتهجير والنزوح والقصف والرعب، إنّها تحمي الموقف والقناعة وتعزّز الإرادة والثبات والصمود بكلّ أشكاله.

 

على سبيل المثال: في حرب فُقد فيها توازن العدد والعتاد كحرب تمّوز، لا بُدَّ من الحرص الشديد على الأخذ بأسباب النصر والابتعاد عمّا يعيق تحقيقه. وإذا كان الإيمان والإخلاص وإطاعة التكليف الإلهيّ هي أمور على رأس مستنزلات النصر، فإنَّ ترك هذا الجانب هو من أوّل الأمور التي قد تؤدّي إلى الهزيمة.

 

* النصر في القرآن الكريم

قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51). إنّ المعنى الشائع للنصر هو الغلبة، إلّا أنّ بعض الآيات القرآنيّة تتحدّث عن النصر في معنى أوسع من الغلبة في ساحة القتال، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ (الإسراء: 33)؛ فالنصر هنا هو بمعنى تشريع حكم إلهيّ للمظلوم يتدارك به ما وقع عليه من وصمة الظلم والبغي(2)، وقد يكون بمعنى فتح الباب لغلبة المبدأ الذي يحمله المنصور بما يحقّق من خلاله هدفه.

 

ومن الشواهد على هذا المعنى ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لما قدم علي بن الحسين عليهما السلام وقد قُتِل الحسين عليه السلام استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وقال: يا علي بن الحسين، من غلب؟ فقال له الإمام عليه السلام: «إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصلاة، فأذّن ثم أقم»(3)، أي ما دام الأذان يُرفع والاسم المبارك لنبيّ الإسلام يُذكر، فالإسلام هو الغالب والمنتصر.

 

* شروط النصر في ثقافتنا

من الواضح أنّ الشروط التي ذكرها الكتاب العزيز لنصر الله تعالى، وإن أكّدت على الجانب الإعداديّ بكلّ القوّة المستطاعة من تدريب وتجهيز وغيرهما، إلّا أنّها لم تشترط التوازن المادّيّ بين المؤمنين وأعدائهم عدداً وعتاداً، بل عوّضت عنه بجوانب إيمانيّة ومجتمعيّة وعلى رأسها: إطاعة التكليف الإلهيّ، وإطاعة القائد، والوحدة بين المؤمنين، والصبر، والثبات. إنّها شروط استنزال نصر الله تعالى، فإذا تحقّق الشرط يتحقّق الجزاء، ففي حرب تموز مثلاً، عندما تحقّق ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ حقّق الله وعده ﴿يَنصُرْكُمْ﴾، لذا، كان النصر نصراً إلهيّاً.

 

* ما هو المطلوب من طالب النصر؟

طرح القرآن الكريم عنواناً عامّاً مطلوباً ممّن يريد استنزال نصر الله تعالى، ألا وهو نصرة الله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: 7).

 

ومعنى نصرة الله تعالى هو الانطلاق من الإيمان بالمبادئ الاعتقاديّة لتحقيق التكليف الإلهيّ الشرعيّ، أي أنّ مصبّ نظر المؤمن هو إنجازه للتكليف المطلوب منه، بغضّ النظر عن النتيجة.

 

وقد عبَّر الإمام الخمينيّ رحمه الله عن هذه الفكرة بقوله: «كلّنا مأمورون بأداء التكليف والواجب، ولسنا مأمورين بتحقيق النتائج»(4). إذاً، المطلوب هو النصرة التي أوضحها القرآن الكريم بمبادئها وتكاليفها بالعناوين الآتية المطلوبة من مستنزلي النصر:

 

1. الإيمان بالغيب: إنّ من معاني الإيمان بالغيب الاعتقاد بأنّ الله تعالى هو السبب الحقيقيّ لكلّ ما يجري في عالم الوجود. وهذا ما أكّده القرآن الكريم في آيات عديدة، منها: ﴿إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (التوبة: 116).

 

2. التوكّل على الله: دعا القرآن الكريم إلى الإيمان بالله والتوكّل عليه في كلّ الأمور، فقال تعالى: ﴿وكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا﴾ (النساء: 45)، ﴿وكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء: 81)، ﴿وكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا﴾ (النساء: 45).

 

3. الإعداد المعنويّ: إنّ الإخلاص لله تعالى والتوجّه إليه هو رأس قائمة الإعداد والجهوزيّة لاستمداد نصره في الحرب. أذكر أنّ قائد المقاومة سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) قال في حديث له مع ين قُبَيل حرب تموز: «لقد وضعنا خطّة الحرب فكان على رأسها الإخلاص لله تعالى». فانطلاقاً من هذه القوّة المعنويّة كان الأهمّ من امتلاك صاروخ خارق للدروع، أن يمتلك أبناؤنا الروحيّة والقناعة التامّة التي تجعلهم يحملون هذا الصاروخ، فيما دبابة الميركافا أمامهم وطائرات الاستطلاع فوق رؤوسهم.

 

4. الصبر: أي التحمُّل والمقاومة وعدم الاستسلام للواقع، وهذا لا يشمل فقط من هم في المعركة، وإنّما بالدرجة الأولى مجتمع المقاومة؛ لأنّه حين يكون الصبر جزءاً من القضيّة ونتيجة إيمانهم بها، فإنّه سيكون سلاح ثبات مقابل شراسة العدوّ، فيتعبه ويعجزه.

 

5. وحدة الصفّ: وهي ما أكّدها القرآن الكريم معتبراً أنّ عمدة هذه الوحدة هي طاعة الله والوليّ، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46).

 

ولعلّ من أبرز الأمور التي تعيق مسيرة النصر هي النزاعات الداخليّة؛ لذا، حذّرنا الله تعالى منها، فيجب توحيد الصفّ وتقريب وجهات النظر، وتأجيل كلّ الخلافات والنزاعات حتّى نهزم العدوّ. والنصر لا يكتمل بهزيمة العدّو أو بمنعه من تحقيق أهدافه في أرض المعركة فقط، بل لا بُدَّ من أن يواكَب ويعقَّب بالمحافظة عليه من خلال التواضع أمام الحقّ والوعي الداعم لمخطّطات العدوّ، فالغرور والغفلة من أخطر ما قد يُفقد المجتمع دوام النصر والعزّة.

 

6. جهاد التبيين: في كلّ معركة يوجد عدوّ يحاول النيل منّا ومن قضيّتنا ليضعف دوافعنا. فعندما يتّجه ون إلى معركتهم الميدانيّة، تبقى المعركة الثقافيّة بحاجة إلى مجاهدين آخرين، يقع على عاتقهم تبيان القضيّة، وحمايتها، وصونها من الملابسات ومحاولات التشويه التي يشنّها العدوّ بلا هوادة، إذ بتنا في زمن يسهل فيه تشويه الحقيقة، بل وتغطيتها وتحريفها، وهذا الدور مرتبط بالمجتمع المقاوم أساساً وأفراده الواعين.

 

هذه الأنواع من الإعداد للنصر مطلوبة من المقاتلين، وكذا من مجتمعهم، فكما يتوجّه المقاتلون المجاهدون إلى الله تعالى في جهادهم، يتوجّه مجتمع الجهاد والمقاومة أيضاً بالدعاء للمجاهدين والثبات خلفهم صفّاً واحداً لاستنزال النصر.

 

* كيف يتدخّل الله في تحقيق النصر؟

أخبرنا القرآن الكريم أنّ تدخّل الله تعالى يكون بأمور، هي:

 

1. تسديد القائد: قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ (النساء: 113).

 

2. تثبيت المؤمنين: قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (الأنفال: 12).

 

3. إلقاء الرعب في قلوب الأعداء: قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ (آل عمران: 151).

 

4. إبطال كيد الأعداء: قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران: 120).

 

5. تسديد الإصابة: قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: 17). وهذا التدخّل الإلهيّ يشمل المعركة الميدانيّة والثقافيّة أيضاً.

 

 

1- هذا البيت يعبر عن لسان حال الإمام الحسين عليه السلام، وقائله هو الشاعر محسن أبو الحب (تـ: 1305هـ).

2- تفسير الميزان، السيّد الطباطبائيّ، ج14، ص400.

3- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 677.

4- صحيفة الإمام، كلمات وخطابات الإمام الخميني قدس سره، ج 7، ص 15.

 

المصدر: مجلة بقية الله