إنّ طبيعة الإسلام الأصيل هي طبيعة جذّابة تماماً تجذب إليها كلّ القلوب البريئة من كلّ غرض وحقد، وهذا هو بالضبط ما طرحه إمامنا وشعبنا مرّة أخرى على الصعيد العالمي وعرضه على القلوب والعيون الظمأى الباحثة عن الحقيقة.

إنّ مدرسة الثورة التي أسسها الإمام تأبى أيّ نمط من الإسلام السفياني والمرواني، إسلام المراسم والمناسك الخاوية، الإسلام المسخَّر للتِبر والقهر، وبالتالي الإسلام الذي تسيّره أيدي القوى المغِيرة على أرواح الشعوب، وتحتضن بكل شوق الإسلام القرآني والمحمَّدي (ص) إسلام العقيدة والجهاد، الإسلام المعادي للظالمين، والعون للمظلومين، الإسلام المقارع للفراعنة والقوارين، وتدعو - في خلاصة الأمر - إلى الإسلام المحطِّم للجبابرة والمقيم لحكومة المستضعفين.

معالم الإسلام المحمدي الأصيل

في ثورتنا الإسلامية يحلّ إسلام الكتاب والسنة محلّ إسلام الخرافة والبدعة.

إسلام الجهاد والشهادة محلّ إسلام القعود وتقبُّل الأسر والذل.

إسلام التعبد والتعقل محلّ الإسلام الهجين والجاهل.

إسلام الدنيا والآخرة محل الإسلام الراكن للدنيا أو الرهبانية.

إسلام العلم والمعرفة محل إسلام التحجّر والغفلة.

إسلام الدين والسياسة محل إسلام التحلل واللامبالاة.

إسلام القيام والعمل محل إسلام الخور والملل.

إسلام الفرد والمجتمع محل إسلام المراسيم الرسمية الخاوية.

والإسلام المنقذ للمحرومين محلّ الإسلام الألعوبة بيد القوى.

وخلاصة الأمر الإسلام المحمَّدي (ص) الأصيل محلّ الإسلام الأمريكي. وهكذا كان طرح الإسلام على هذه الشاكلة وبمثل هذه الواقعية والجدّية سبباً لثورة الحقد المجنون لأولئك الذين تعلّقت قلوبهم وآمالهم بزوال الإسلام من إيران ومن كلّ الأقطار الإسلامية، أو كانوا لا يقبلون منه إلاّ ما عبّر عن اسم بلا مسمّى وأسلوب لاستغفال الناس وتحميقهم، فوجدناهم لا يألون جهداً ولا يتركون فرصة تمرّ منذ انتصار الثورة الإسلامية وحتى اليوم إلاّ واستغلوها للهجوم وتوجيه الضربات والتآمر والتخطيط الماكر ضدّ الجمهورية الإسلامية، ومركز حركة العالم الإسلامي: إيران([1]).

***

بعونك يا لطيف، إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. أبي العزيز، إنني حينما جئتُ إلى هذا العالم، كان قد مر على وقوع هذه الثورة بضع سنوات. ومع ذلك فإنني افتخر بالثورة التي تحققت بقيادة الإمام العزيز وبهمّتكم وبتضحيات شعبنا العزيز. إنني من جيل ما بعد سنوات الملحمة ومن شباب ما بعد الثورة؛ ومعنى هذا إنني لم أدرك الثورة إلاّ من بعد ما نما عودها وأثمرت شجرتها المعطاء, ولهذا السبب:

كثيراً ما يتبادر إلى ذهني هذا السؤال، وهو: لماذا وقعت في بلدنا ثورة، وكيف نزلت تلك الحشود الهائلة من الرجال والنساء والشيوخ والشباب إلى الشوارع، وفجّرت في قلب التاريخ تلك الثورة الكبرى بزعامتكم انتم القادة العظماء؟ أرجو منكم أن تقدّموا لي بكلامكم الجذّاب جواباً شافياً لسؤالي. مع فائق الشكر.

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا واحد من أكثر الأسئلة بداهة ومنطقاً مما يراود أذهان الشباب من أسئلة في الوقت الحاضر.وقد طرحت ابنتنا العزيزة سؤالها هذا على نحو بديع وبعبارات بليغة. أسأل الله لها التوفيق. وسأحاول الإجابة عن سؤالها هذا على قدر ما يسمح به وقت المجلس.

كانت ثورتنا نهضة جماهيرية كبرى ضد حكومة اتصفت تقريباً بكل ما قد تتصف به حكومة سيّئة من سلبيات؛ إذ كانت: فاسدة، وعميلة، وفرضت على الشعب بانقلاب عسكري، وكان ينقصها التدبير والكفاءة. وسأقدّم في ما يلي شرحاً لكل واحدة من الخصائص الأربعة التي ذكرتها آنفاً.

كانت الحكومة السابقة فاسدة مالياً وأخلاقياً، ويكفي من فسادها المالي أن الشاه نفسه وأسرته كانت لهم يد في أغلب الصفقات الاقتصادية الضخمة للبلد، وكان هو وإخوته وأخواته من الذين جمعوا أكثر الثروات، وكان رضا خان قد جمع خلال فترة حكمه البغيض الذي امتد على مدى ستة أو سبعة عشر سنة أموالاً طائلة. ولا بأس أن تعلموا أن بعض مدن البلاد - كما تشير الوثائق والمستندات - كان ملكاً صرفاً لرضا خان؛ فمدينة فريمان على سبيل المثال كانت برّمتها ملكاً خاصاً لرضا خان! وكانت أفضل الأملاك وأخصب الأراضي في هذا البلد ملكاً له؛ حيث كان له ولع شديد بمثل هذه الأملاك وبالمجوهرات. في حين كان لأولاده مشارب أكثر شمولاً؛ إذ كانوا يرغبون في أية ثروة كانت ويستحوذون على كل ما تطاله أيديهم، وأوضح دليل على ذلك أنهم حينما خرجوا من البلد كانت ثرواتهم في المصارف الأجنبية تقدر بمليارات الدولارات. ولعلكم تعلمون أننا حاولنا من بعد الثورة استرجاع أموال الشاه، ولكن كان من الطبيعي جداً أن لا يُلبى طلبنا. كان مجموع أموال هذه الأسرة يقدر حينذاك بعشرات المليارات من الدولارات. واتجه كل واحد من أعضاء تلك الأسرة نحو دولة معيّنة وصاروا من كبار الأغنياء هناك. ومن الطبيعي أنهم لم يحصلوا على تلك الأموال بكدّهم ولا بعرق جبينهم، وإنما استحوذوا عليها بأساليب غير مشروعة. فكيف كانت إذن طبيعة نظام غارق في مثل هذا الفساد المالي وكيف كان يتعامل مع أبناء الشعب.

أما فسادهم الأخلاقي فقد كان معروفاً من خلال عصابات التهريب التي كانت تمارس نشاطها بإمرة إخوة الشاه وأخواته، وكانت هناك فضائح أخلاقية وجنسية يندى لذكرها الجبين. وقد نشر في ما بعد بعض أفراد الحاشية والمقربون من تلك الأسرة شيئاً من تلك الفضائح في ما كتبوه من مذكّرات.

كان الفساد الإداري مستشرياً في كل الأرجاء؛ ولم تكن الكفاءة تراعى عند اختيار المدراء والمسؤولين، وكل ما كان يؤخذ بنظر الاعتبار في مثل هذه الشؤون هو علاقاتهم الشخصية وتوجهات الأجهزة الجاسوسية والأمنية الأجنبية.

لاحظوا إذن مدى سوء الحكومة التي كانت تأخذ الرشاوى، وتكتنز الثروات، وتتعامل بالتهريب وتخون الشعب. ولو شاء المرء تدوين كل هذه الأمور بأدلّتها وشواهدها لاستلزم ذلك مجلدات ضخمة.

وكانت القطيعة بينهم وبين أبناء الشعب سبباً لعمالتهم للأجانب واستنادهم إليهم للحفاظ على سلطتهم؛ فمن الحقائق التاريخية المسلّم بها هي أن الإنجليز هم الذين جاؤوا برضا خان إلى السلطة، وهم الذين ثبتوا محمد رضا على رأس الحكم. ومن بعد عهد مصدق خطف الأمريكيون زمام الأمور من الإنجليز ودبّروا تلك المؤامرة وتسلطوا على شؤون البلاد وأصبح هنالك عشرات الآلاف من المستشارين الأمريكيين في أهم المراكز العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، ويشغلون مواقع حساسة ويحصلون على أموال طائلة؛ وكانوا في الحقيقة هم الذين يسيّرون شؤون البلاد ويوجهونها حسب ما يشاؤون. وكان الأمريكيون والإسرائيليون هم الذين أسسوا الجهاز الأمني في إيران.

وعلى الصعيد السياسي كانت الحكومة خاضعة لتوجيهات الإنجليز، في حين خضعت في الآونة الأخيرة لتوجيهات الأمريكيين. وكانت سياستها على الصعيد الإقليمي والعالمي، بل وحتى في المجالات الاقتصادية - من قبيل أسعار النفط وكيفية بيعه، والكيفية التي يجب أن تكون عليها أوضاع شركات النفط الأجنبية في إيران - قائمة على تنفيذ ما يُملى عليها. وكانت طبعاً تأخذ مصالحها الخاصة بنظر الاعتبار. ولم تكن تلك التضحيات من أجل الأجانب أنفسهم، وإنما لغرض الحفاظ على حكومتهم. ولهذا فسحوا المجال للأجانب وبسطوا أيديهم تماماً للتطاول على البلد وعلى الشعب، واعتمدوا عليهم في كل شيء.

هذا فضلاً عن أن تلك الحكومة جاءت بواسطة انقلاب عسكري وفرضت على الشعب فرضاً؛ فقد جاء كل من رضا خان، ومحمد رضا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري. ومن الواضح أن الحكومة التي تفرض على الشعب من خلال انقلاب عسكري لا تحترم آراء الشعب ولا معتقداته ولا إرادته، ولم تكن ثمة صلة حميمة بين الحكومة والشعب؛ بل كانت العلاقة عدائية، علاقة أسياد وعبيد؛ لأن النظام كان ملكياً، وهذا هو معنى الملكية؛ أي أنها كانت حكومة مطلقة لا تقيّد بشيء أمام الشعب. وهكذا حكمت الأسرة البهلوية بلدنا على مدى خمسين سنة.

وأخيراً كانت تلك الحكومة لا تملك الكفاءة؛ فكل مواطن في هذا الدولة يعلم تماماً - وخاصة انتم الشباب - إننا يجب أن نبذل جهوداً لسنوات طويلة حتّى نتمكن من بلوغ المكانة اللائقة بنا في الحقول العلمية والصناعية والتقنية، والتقدم في ميادين البحوث والدراسات. وهذا التخلف الذي نعيشه ناجم عن حكم استمر خمسين سنة لنظام غير كفوء لم يستثمر طاقات هذا الشعب، ولا الإمكانات الهائلة في هذا البلد. وأنتم اليوم تلاحظون الطاقات العلمية المتفجرة لدى شبابنا في المسابقات العلمية العالمية، بينما لم يكن يُعتنى بهذه الطاقات ولم تستثمر في تلك الآونة، وإنما تُستعمل في إطار رغباتهم ومآربهم الخاصّة، ولهذا هاجر الكثير من أصحاب الطاقات والكفاءات، بينما بقي الكثير منهم، ولكن بدون أن تزدهر طاقاتهم وكفاءاتهم أو أن ينتفع منها في عمل ما.

لقد تركوا وراءهم بلداً مدمّراً تماماً. وفي مرحلة ما بعد الحرب كان أكبر همّنا يتركّز على بناء ما دمّرته الحرب، ولكننا وجدنا الدمار الذي خلّفته الحرب يقل كثيراً عمّا خلّفته الأسرة البهلوية من دمار طوال سنوات حكمها على هذا الشعب.

وفي عام [1341- 1962م] عندما ارتفعت صيحة الإمام أخذت حيّزها في القلوب وتفجّر غضب الجماهير؛ إذ كان البعض قد ألف الأوضاع حينذاك، بينما أثارت سخط الكثيرين من أبناء الشعب. واعلموا أن الإمام حينما رفع صوته لم يكن حينها مرجع تقليد معروفاً؛ فعلى الرغم مما كان له من وجاهة وشهرة ومكانة مرموقة في قم بين العلماء والفضلاء وطلبة الحوزة العلمية، إلا انه لم يكن معروفاً لدى عموم أبناء الشعب، ولكن بما أن تلك الصيحة كانت صيحة حق وكانت منطلقة من إرادة الجماهير وقائمة على أسس الدين، فقد دوّت أصداؤها في كل الأرجاء تلقائياً وتداولتها الألسن وتناقلتها الأيدي وانتشرت في كل مكان وغرست حب الإمام في القلوب. فالإمام الخميني الذي لم يكن يتمتع بتلك الشهرة في عام [1341- 1962م]، أضحت له مكانه في القلوب في خرداد عام [1342 حزيران 1963م] إلى درجة دفعت بالشعب إلى النهوض ضد الحكومة في الحادثة المعروفة بحادثة الخامس عشر من خرداد ([2])، التي أسفر عنها مقتل الآلاف من الأشخاص في سبيل الإمام. وقد جاء هذا كله اثر أحقية تلك الصيحة.

لقد بين الإمام للشعب تعاليم الإسلام ومعنى الحكومة ومعنى الشخصية الإنسانية، وشرح له طبيعة ما يجري عليه وكيف ينبغي أن تكون حياته؛ وهي حقائق لم يكن الآخرون يجرؤون على التصريح بها، إلا أنه صرّح بها جهاراً لا همساً ولا على شكل منشورات ولا بأساليب سرية وخلايا تنظيمية كما تفعل الأحزاب عند طرح الأمور لكوادرها، لقد اتبع الإمام الخميني أسلوب الجرأة والصراحة في بيان الحقائق للناس، ولهذا لبّى أبناء الشعب نداءه.

لقد مرّت خمسة عشر سنة عصيبة منذ أن بدأ الإمام نهضته إلى حين انتصار الثورة؛ وخلال تلك الفترة فهم تلاميذ الإمام وأنصاره وأصدقاؤه وعموم أبناء الشعب عمق ومضمون رسالة الإمام، فتداولوها ونشروها بين مختلف الأوساط والشرائح الاجتماعية. وأدى تداولها وتدارسها والثبات عليها إلى خلق مشاكل جمّة لأولئك الناس؛ فاستشهد الآلاف منهم، وطال التعذيب أضعاف ذلك العدد.

لقد كان عهداً عصيباً حّقاً، حتى أن البعض لم يشعر بالطمأنينة والراحة في بيته حتّى ليلة واحدة، ولم يخرج من بيته يوماً وهو آمن من أنه لن يصيبه في ذلك اليوم مكروه. وكان الإمام يقود تلك المسيرة بعزم وحكمة وشجاعة طوال تلك المدّة، إلى أن تعاظمت في السنة الأخيرة الأمواج الجماهيرية الهادرة؛وحيثما نزل أبناء الشعب إلى الساحة بدوافع إلهية ودينية وبعيداً عن المطامع المادية، لا يمكن لأية قوّة أن تقف بوجههم، أو كما قال الإمام إنهم لم يستطيعوا بكل ما لديهم من معدّات وتجهيزات الوقوف بوجه شعبنا الأعزل. وهكذا وقعت هذه الثورة وانتصرت([3]).

 

([1]) حديث قائد الثورة الإسلامية بمناسبة الذكرى الأولى لرحيل الإمام (ع) 6 ذي القعدة 1410.

([2]) 15خرداد: في سنة 1342 ش, 1383ﻫ , [1963م], قام أزلام الشاه باعتقال الإمام (ع) وعدد من العلماء مما أدى لقيام ثورة شعبية عارمة قادها العلماء في العديد من المدن الإيرانية, فاستشهد الآلاف من المواطنين.

([3]) كلمة القائد أمام نخبة من الشباب الإيراني بمناسبة اليوم الثاني من عشرة الفجر, 3/2/1999(الموافق: 17 شوال 1419 ﻫ).